أقلام حرة

حماية الذاكرة الوطنية.. درع الوعي للأجيال الجديدة

 

اللواء د.رضا فرحات
محافظ القليوبية الأسبق

أصبحت حماية الذاكرة الوطنية إحدى القضايا المرتبطة مباشرة بالأمن القومي للدول في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، واتساع نطاق الصراعات التي تستهدف تشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام والتأثير في هوية المجتمعات، وأصبحت القوة في عالم اليوم لا تقاس فقط بما تمتلكه الدول من قدرات اقتصادية وعسكرية، وإنما تمتد إلى قدرتها على حماية وعي مواطنيها، وصيانة ذاكرتها التاريخية، وتكوين أجيال قادرة على فهم حاضرها في ضوء تجاربها السابقة، وإدراك طبيعة التحديات التي تحيط بها، ومن هذا المنطلق، جاءت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال فعاليات «منتدى مصر 2026»، إلى الاهتمام بالذاكرة الوطنية ووعي الأجيال الجديدة، لتطرح قضية تتجاوز استعادة الأحداث التاريخية إلى بناء إدراك وطني راسخ لطبيعة التحولات التي مرت بها مصر، والتحديات التي واجهت الدولة، والجهود التي بذلتها للحفاظ على مؤسساتها واستقرارها ومواصلة مسيرة التنمية.

وتكمن أهمية هذه الدعوة في أن الذاكرة الوطنية ليست مجرد استدعاء للماضي، وإنما هي أحد المكونات الأساسية للوعي السياسي والاجتماعي، وأداة لفهم مسارات الدولة وتفسير التحولات التي شهدها المجتمع، الأحداث الكبرى لا تنتهي بانقضاء زمنها، بل تظل آثارها ممتدة في تشكيل اتجاهات الأجيال ومواقفها من الدولة ومؤسساتها ومستقبلها، والتعامل مع التاريخ باعتباره معرفة حية ومصدرا للفهم والتحليل يمثل ضرورة لبناء وعي قادر على التمييز بين الوقائع وتفسيراتها، وبين المعلومات الموثقة والمحتوى الذي يستهدف توجيه الإدراك العام وكلما امتلكت الأجيال الجديدة معرفة دقيقة بتاريخ وطنها، أصبحت أكثر قدرة على فهم طبيعة التحديات التي واجهته، واستيعاب العوامل التي تحكم مسيرته، وتكوين مواقف تستند إلى المعرفة وليس إلى الانطباعات العابرة أو المعلومات المجتزأة.

تكتسب إشارة الرئيس السيسي إلى أحداث عام 2011 وما شهدته مصر خلال المرحلة الممتدة حتى عام 2013 أهمية خاصة، باعتبارها جزءا من تجربة وطنية يتعين على الأجيال الجديدة فهم ظروفها ونتائجها في إطارها التاريخي والسياسي فجيل من الشباب لم يعايش هذه الأحداث بصورة مباشرة، ويستقي جانبا كبيرا من معرفته بها عبر المنصات الرقمية ومصادر المعلومات المتعددة، وهو ما يجعل تقديم الوقائع والسياقات التاريخية بصورة موثقة مسؤولية وطنية وتعليمية وإعلامية والمطلوب هنا هو بناء معرفة تساعد الشباب على فهم ما جرى، وأسباب التحولات التي شهدتها البلاد، والتحديات التي واجهت مؤسسات الدولة، وما ترتب على تلك المرحلة من تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية، التاريخ حين يقدم في سياقه المتكامل يصبح أداة للفهم واستخلاص الدروس، ويحول دون اختزال التجارب الوطنية المعقدة في روايات مبتسرة أو أحكام لا تستند إلى معرفة كافية.

وتفرض طبيعة البيئة الرقمية الراهنة مزيدا من الاهتمام بهذه القضية، بعدما أصبحت المعلومات والصور ومقاطع الفيديو تنتقل بسرعة هائلة، وأصبح من الممكن توظيف المحتوى المضلل أو المجتزأ للتأثير في تصورات الأفراد ومواقفهم، ولم يعد التحدي مقتصرا على الوصول إلى المعلومات، بل أصبح مرتبطا بالقدرة على التحقق من مصادرها، وفهم سياقاتها، والتمييز بين الوقائع والادعاءات، وهنا تبرز أهمية الوعي باعتباره قدرة على التحليل والمقارنة وتقييم الأدلة، وليس مجرد تبني مواقف مسبقة. فالمجتمع الأكثر امتلاكا لهذه الأدوات يكون أقدر على مواجهة حملات التضليل، وأقل عرضة للتأثر بالمعلومات التي يجري تداولها خارج سياقها، وأكثر قدرة على تكوين رأي عام يدرك تعقيدات القضايا الوطنية والإقليمية ومن هذا المنظور، فإن حماية الذاكرة الوطنية ترتبط كذلك بتعزيز الثقافة الرقمية، وتطوير مهارات التفكير النقدي، وتوسيع قدرة الشباب على التعامل المسؤول مع مصادر المعرفة.

كما أن فهم الذاكرة الوطنية يرتبط بإدراك طبيعة التحديات التي واجهتها الدولة المصرية، وما تطلبته حماية الأمن والاستقرار من جهود وتضحيات، التجربة المصرية خلال السنوات الماضية شهدت تحديات أمنية واقتصادية وسياسية متشابكة، وكان لمؤسسات الدولة وأبنائها دور في مواجهة هذه التحديات والحفاظ على استمرارية مؤسساتها، وتوثيق هذه التجارب ونقلها إلى الأجيال الجديدة يتيح فهما أعمق للعلاقة بين الأمن والاستقرار والتنمية، ويؤكد أن بناء الدول عملية ممتدة تتطلب عملا مؤسسيا وتراكما في الخبرات والقدرات، فضلا عن المشاركة المجتمعية وتحمل المسؤولية كما يساعد هذا الفهم على إدراك أن تقييم التجارب الوطنية يحتاج إلى قراءة موضوعية تجمع بين معرفة الظروف التي أحاطت بها، وتحليل نتائجها، والاستفادة من دروسها في التعامل مع تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل.

وتتطلب هذه المهمة تكاملا واضحا بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلام، باعتبارها الأطراف الأكثر تأثيرًا في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، الأسرة هي البيئة الأولى التي تتكون فيها علاقة الأبناء بتاريخ وطنهم وقيمه، والمدرسة والجامعة تضطلعان بدور أساسي في تقديم المعرفة التاريخية والسياسية بصورة علمية، بينما يتحمل الإعلام مسؤولية توثيق الأحداث وشرح سياقاتها وتقديم المعلومات الدقيقة ولا يكفي في هذا الإطار الاكتفاء بنقل المعلومات أو ترديد الشعارات، بل يجب تطوير أساليب مخاطبة الشباب، وربط المعرفة التاريخية بالواقع الذي يعيشونه، وإتاحة الفرصة أمامهم لطرح الأسئلة ومناقشة القضايا وفهم أبعادها المختلفة، الشباب لا يحتاجون إلى معرفة ما حدث فحسب، وإنما يحتاجون أيضًا إلى فهم لماذا حدث، وكيف أثرت الأحداث في مسار الدولة والمجتمع، وما الدروس التي يمكن استخلاصها منهاؤ ومن خلال هذا النهج، تتحول الذاكرة الوطنية من معلومات محفوظة إلى وعي قادر على التفسير والاستنتاج والمشاركة.

إن حماية الذاكرة الوطنية تمثل استثمارا استراتيجيا في مستقبل مصر، لأنها تعزز قدرة الأجيال الجديدة على فهم التحولات التي شهدتها البلاد، وإدراك طبيعة التحديات التي تواجهها، والمشاركة الواعية في مسيرة البناء والتنمية، الدولة التي تنقل تاريخها إلى أبنائها بصورة موثقة، وتمنحهم أدوات فهمه وتحليله، تؤسس لعلاقة أكثر رسوخا بين المجتمع ومؤسساته، وتدعم قدرته على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية بثقة ووعي بالمصالح الوطنية وتبقى المسؤولية الأساسية هي تحويل الذاكرة من سجل للأحداث إلى رصيد معرفي حي، تتكامل في بنائه جهود الأسرة والتعليم والإعلام والمؤسسات الوطنية، بما يضمن انتقال الخبرة بين الأجيال، ويحافظ على الهوية المصرية، ويجعل الوعي قوة حقيقية في حماية الأمن القومي وصناعة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى